علي بن أحمد المهائمي

589

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

في الأشياء ؛ لأن المراد به الأصل الذي تقوم به الصور والأمزجة والأعراض ، ولا يحصل شيء منها للمعدوم ، فهي لاحقة بالوجود الذي هو إشراق نور ( الحق ) فيه ، وهو الذي يسميه بالحق الظاهر في الكل ؛ لأنه الثابت أولا ، ويتبدل عليه ، ويلحق الصور والأحوال والنسب والأمزجة ، ( ويظن المتكلم ) من الأشاعرة وغيرهم ( أن مسمى الجوهر ، وإن كان حقّا ) بمعنى : أن الثابت في الواقع بحيث يتبدل عليه ما ذكرنا ويلحقه ( ما هو ) عندهم ( عين الحق الذي ) هو صورة الوجود الحقيقي ، إذ يزعمون أن وجود كل شيء عرض عام له أو عين إعراضه ولواحقه المتبدلة ، ولا يقولون بأنه صورة ذلك الوجود الحقيقي ، فليس هو الذي ( يطلقه أهل الكشف والتجلي ) جمع بينهما ؛ لأن من الناس من يكاشف ببعض الأمور ، ولا يكاشف بتجلي الحق والتجلي بظهور الحق حاصل لكل أحد مع أنه لا كشف لأكثرهم ؛ ( فهذه ) النكتة ( حكمة كونه لطيفا ) لا ما تتوهمه العامة من أن المراد به أنه غير محسوس ، أو أن العالم بدقائق الأمور وأنه البر بعباده . [ ثمّ نعت فقال : خَبِيرٌ [ لقمان : 16 ] أي : عالم عن اختبار وهو قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ [ محمد : 31 ] ، وهذا هو علم الأذواق ، فجعل الحقّ نفسه مع علمه بما هو الأمر عليه مستفيدا علما ، ولا تقدر على إنكار ما نصّ الحقّ عليه في حقّ نفسه ؛ ففرّق تعالى ما بين علم الذّوق والعلم المطلق ، فعلم الذّوق مقيّد بالقوى ، وقد قال عن نفسه : إنّه عين قوى عبده في قوله : « كنت سمعه » « 1 » ، وهو قوّة من قوى العبد ، « وبصره » وهو قوّة من قوى العبد ، « ولسانه » وهو عضو من أعضاء العبد ، « ورجله ويده » فما اقتصر في التّعريف على القوى فحسب حتّى ذكر الأعضاء : وليس العبد بغير هذه الأعضاء والقوى ؛ فعين مسمّى العبد هو الحقّ ، لا عين العبد هو السّيّد ، فإنّ النّسب متميّزة لذاتها ؛ وليس المنسوب إليه متميّزا ، فإنّه ليس ثمّة سوى عينه في جميع النّسب ، فهو عين واحدة ذات نسب وإضافات وصفات ] . ( ثم ) أي : بعد ذكره اللطيف الدّال على سريان ما أشرق من نوره في الكل بحيث يصير الكل كأنه هو عقب اللطيف بما يدل على سبب لطفه ، والمقصود منه ، ( فقال : خَبِيرٌ [ الحج : 63 ] أي : عالم عن اختبار ) ، وهذا العلم بالاختبار وإن كان جاريا ، فهو في حقه تعالى ثابت باعتبار ظهوره في هذه المظاهر ، وكيف لا ( وهو ) ما دل عليه ( قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ [ محمد : 31 ] ) ، وكيف لا يكون هذا العلم مطلوبا للحق ، وإن كان علمه في الأزل كاملا ؟

--> ( 1 ) سبق تخريجه .